علي بن محمد البغدادي الماوردي

102

النكت والعيون تفسير الماوردى

والثاني : أنّه جعله قبلة لهم ، فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم ، وفيه ضرب من التعظيم « 141 » . وأصل السجود الخضوع والتطامن ، قال الشاعر : بجمع تضلّ البلق في حجراته * ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر ( * ) وسمى سجود الصلاة سجودا ، لما فيه من الخضوع والتطامن ، فسجد الملائكة لآدم طاعة لأمر اللّه تعالى إلا إبليس أبى أن يسجد له حسدا واستكبارا . واختلفوا في إبليس ، هل كان من الملائكة أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنه كان من الملائكة ، وهذا قول ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن المسيب ، وابن جريج ، لأنه استثناء منهم ، فدلّ على دخوله منهم . والثاني : أنه ليس من الملائكة ، وإنما هو أبو الجن ، كما أن آدم أبو الإنس ، وهذا قول الحسن « 142 » وقتادة وابن زيد ، ولا يمتنع جواز الاستثناء من غير جنسه ، كما قال تعالى : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ ، [ النساء : 157 ] وهذا استثناء منقطع . واختلف في تسميته بإبليس على قولين : أحدهما : أنه اسم أعجمي وليس بمشتقّ . والثاني : أنه اسم اشتقاق ، اشتقّ من الإبلاس وهو اليأس من الخير ، ومنه قوله تعالى : فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام : 44 ] أي آيسون من الخير ، وقال العجّاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه ، وأبلسا « 143 » فأمّا من ذهب إلى أن إبليس كان من الملائكة ، فاختلفوا في قوله تعالى :

--> ( 141 ) الصحيح أن السجود هنا هو سجود تحية وتعظيم وليس سجود عبادة وكان هذا في الأمم السابقة وقد سجد يعقوب وأولاده ليوسف عليه الصلاة والسّلام يوم جاءوه إلى مصر أما السجود للمخلوق على وجه العبارة فهو كفر صريح لا شك فيه . ( 142 ) وقول الحسن في أصل إبليس قال ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس . رواه الطبري [ برقم 696 ] . وقال الحافظ ابن كثير : وهذا إسناد صحيح عن الحسن ( 1 / 77 ) . ( 143 ) ديوان العجاج ( ص 1 / 31 ) ، الكامل ( 1 / 352 ) .